ابن قيم الجوزية

116

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين

الحمى فقلنا : لو دعوت الله يا رسول الله أن يذهبها عنك فقال : إن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم . وقال مسروق عن عائشة رضي الله عنها : ما رأيت أحداً أشد وجعاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم : كان يشدد عليه إذا مرض حتى أنه لربما مكث خمس عشرة لا ينام وكان يأخذه عرق الكلية - وهو الخاصرة - فقلنا : يا رسول الله لو دعوت الله فيكشف عنك قال : ( إنا معاشر الأنبياء يشدد علينا الوجع ليكفر عنا ) . وفي المسند والنسائي من حديث أبي سعيد قال : قال رجل : يا رسول الله أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا مالنا بها قال : كفارات فقال أبي بن كعب : يا رسول الله وان قلت قال : شوكة فما فوقها قال : فدعا أبي على نفسه عند ذلك أن لا يفارقه الوعك حتى يموت ولا يشغله عن حج ولا عمرة ولا جهاد في سبيل الله وصلاة مكتوبة في جماعة قال : فما مس رجل جلده بعدها إلا وجد حرها حتى مات . وقال عبد الله بن عمر : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن العبد إذا كان على طريقة حسنة من العبادة ثم مرض قيل للملك الموكل به : اكتب له مثل عمله إذا كان طلقاً ) أو اكفته إلى ناقة طلق بضم الطاء واللام إذا حل عقالها ويقال : كفته إليه إذا ضمه إليه - ذكره ابن أبي الدنيا . وذكر أيضاً عن أبي أمامة الباهلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله ليجرب أحدكم بالبلاء وهو أعلم به كما يجرب أحدكم ذهبه بالنار فمنهم من يخرج كالذهب الإبريز فذلك الذي نجاه الله من السيئات ومنهم من يخرج كالذهب دون ذلك فذلك الذي يشك بعض الشك . ومنهم من يخرج كالذهب الأسود ، فذلك الذي قد افتتن ) . وذكر أيضاً من مراسيل الحسن البصري عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الله ليكفر عن المؤمن خطاياه كلها بحمى ليلة ) . قال ابن أبي الدنيا : قال ابن المبارك : هذا من الحديث الجيد قال : وكانوا يرجون في حمى ليلة كفارة ما مضى من الذنوب .